Free Essay

Biography

In: Business and Management

Submitted By miralifouad
Words 8268
Pages 34
‫ترتيب‬ ‫�صالح بن عبد الرحمن احل�صني‬

‫اإ�صدار موؤ�ص�صة الوقف‬

‫ح موؤ�ص�صة الوقف اال�صالمي, 1341 هـ‬ ‫فهر�صة مكتبة امللك فهد الوطنية اأثناء الن�صر‬ ‫احل�صني، �صالح عبد الرحمن‬ ‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة. / �صالح عبد الرحمن احل�صني . -‬ ‫الريا�ض، 1341هـ‬ ‫27�ص؛ 71�صم * 21 �صم‬ ‫ردمك: 8-4-63109-306-879‬ ‫1- ا�صد، حممد، ت 2141هـ - مذكرات 2- ال�صعودية - تاريخ -‬ ‫امللك عبد العزيز 3- ال�صعودية - و�صف رحالت اأ.العنوان‬ ‫3814/1341‬ ‫ديوي 4013.519‬ ‫رقم االإيداع: 3814/1341‬ ‫ردمك: 8-4-63109-306-879‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫1-‬‫طريق حممد اأ�صد اإىل مكة‬
‫كان الصبي (ليوبولدفايس) حتت إصرار‬ ‫والده يواظب على دراسة النصوص الدينية‬ ‫ساعات طويلة كل يوم, وهكذا وجد نفسه‬ ‫وه��و في سن الثالثة عشرة يقرأ العبرية‬ ‫ويتحدثها بإتقان, درس التوراة في نصوصها‬ ‫األصلية وأصبح عاملاً بالتلمود وتفسيره, ثم‬ ‫انغمس في دراسة التفسير املعقد للتوراة‬ ‫املسمى (ترجوم) فدرسه وكأمنا يهيئ نفسه‬ ‫ملنصب ديني.‬ ‫كان إجنازه املدهش يَعِ د بتحقيق حلم جده‬ ‫ُ‬ ‫احلاخام األرثوذكسي النمساوي بأن تتصل‬ ‫بحفيده سلسلة أجداده احلاخامات, ولكن‬ ‫هذا احللم لم يتحقق, فبالرغم من نبوغه‬
‫5‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ف��ي دراس���ة ال��دي��ن, أو رمب��ا بسببه منت‬ ‫لديه مشاعر سلبية جتاه جوانب كثيرة من‬ ‫العقيدة اليهودية, لقد رفض عقله ما بدا من‬ ‫أن الرب في نصوص العهد القدمي والتلمود‬ ‫مشغول فوق العادة مبصير أمة معينة وهم‬ ‫اليهود, بالطبع لقد أبرزت النصوص الرب‬ ‫ال كخالق وحافظ لكل خلقه من البشر بل‬ ‫ك��رب قبلي يسخر ك��ل املخلوقات خلدمة‬ ‫الشعب املختار.‬ ‫لم ي��ؤد إحباطه من الديانة اليهودية في‬ ‫ذل ��ك ال��وق��ت إل ��ى ال�ب�ح��ث ع��ن معتقدات‬ ‫روحية أخرى فتحت تأثير البيئة الالأدرية‬ ‫التي يعيش فيها وجد نفسه يندفع ككثير‬ ‫من أقرانه إل��ى رف��ض الواقع الديني وكل‬ ‫م��ؤس�س��ات��ه, وم��ا ك��ان يتطلع إل�ي��ه ل��م يكن‬ ‫يختلف كثيرا عما يتطلع إليه باقي أبناء‬ ‫ً‬
‫6‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫جيله وهو خوض املغامرات املثيرة.‬ ‫في تلك املرحلة من عمر «ليوبولدفايس»‬ ‫اشتعل�ت احل��رب العاملية األول�ى (4191-‬ ‫8191) م. وب �ع��د ان�ت�ه��اء احل ��رب –وعلى‬ ‫مدى عامني– درس بال نظام تاريخ الفن‬ ‫والفلسفة في (جامعة فينا) ولكن ما كان‬ ‫مشغوفاً بالتوصل إليه هو جوانب محببة‬ ‫إلى نفسه من احلياة, كان مشغوفا أن يصل‬ ‫بنفسه إلى مثل روحية حقيقية كان يوقن‬ ‫أنها موجودة لكنه لم يصل إليها بعد.‬ ‫كانت العقود األولى للقرن العشرين تتسم‬ ‫ب ��اخل ��واء ال ��روح ��ي ل��أج �ي��ال األوروب� �ي���ة,‬ ‫أص�ب�ح��ت ك��ل ال�ق�ي��م األخ��الق �ي��ة متداعية‬ ‫حت��ت وط��أة التداعيات املرعبة للسنوات‬ ‫التي استغرقتها احلرب العاملية األولى في‬ ‫الوقت الذي لم تبد فيه أي روحية جديدة‬
‫7‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫في أي أفق, كانت مشاعر عدم اإلحساس‬ ‫ب��األم��ن متفشية ب��ني اجل �م �ي��ع, إحساس‬ ‫داخ �ل��ي ب��ال �ك��ارث��ة االج�ت�م��اع�ي��ة والفكرية‬ ‫أصاب اجلميع بالشك في استمرارية أفكار‬ ‫البشر وفي كل مساعيهم وأهدافهم, كان‬ ‫القلق الروحي لدى الشاب ال يجعله يجد‬ ‫مستقراً ألق��دام��ه الوجلة, وم��ع غياب أي‬ ‫مقاييس يقينية أخالقية لم يكن ممكنا ألي‬ ‫فرد إعطاء إجابات مقنعة عن أسئلة كثيرة‬ ‫كانت تؤرق وحتير كل جيل الشباب.‬ ‫كانت علوم التحليل النفسي (وهي جانب من‬ ‫دراس��ات الشاب ليوبولدفايس) تشكل في‬ ‫ذلك الوقت ثورة فكرية عظمى, وقد أحس‬ ‫فعال أن تلك العلوم فتحت أب��واب�اً واسعة‬ ‫تتيح فهماً أوسع للذات, وما أكثر الليالي‬ ‫التي قضاها في مقاهي فينا يستمع إلى‬
‫8‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫مناقشات ساخنة ومثيرة بني رواد التحليل‬ ‫النفسي املبكرين من أمثال «الفريد أدلر» و‬ ‫«هرمان ستيكل».‬ ‫إال أن احليرة والقلق والتشويش حلت عليه‬ ‫م��ن ج��دي��د, بسبب عجرفة العلم اجلديد‬ ‫وتعاليه ومحاولته أن يحل أل�غ��از الذات‬ ‫البشرية عن طريق حتويلها إل��ى سالسل‬ ‫من ردود األفعال العصبية.‬ ‫لقد منا قلقه وتزايد وجعل إمتام دراسته‬ ‫ً‬ ‫اجلامعية يبدو مستحيال فقرر أن يترك‬ ‫الدراسة ويجرب نفسه في الصحافة.‬ ‫كان أول طريق النجاح في هذه التجربة تعيينه‬ ‫في وظيفة محرر في وكالة األنباء (يونايتد‬ ‫تلجرام) وبفضل متكنه من ع��دة لغات لم‬ ‫يكن صعباً عليه أن يصبح بعد وقت قصير‬ ‫نائباً لرئيس حترير قطاع أخبار الصحافة‬
‫9‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫االسكندنافيه بالرغم من أن سنه كانت دون‬ ‫الثانية والعشرين فانفتح له الطريق في‬ ‫برلني إلى عالم أرحب «مقهى دي فيسنت»‬ ‫و «روم��ان�ش�ي��ه» ملتقى الكتاب واملفكرين‬ ‫البارزين ومشاهير الصحفيني والفنانني,‬ ‫فكانوا ميثلون له (البيت الفكري), وربطته‬ ‫بهم عالقات صداقة توافرت فيها الندية.‬ ‫ك��ان في ذل��ك الوقت سعيداً مبا هو أكثر‬ ‫م��ن النجاح ف��ي حياته العملية, ولكنه لم‬ ‫يكن يشعر بالرضا واإلشباع ولم يكن يدري‬ ‫بالتحديد ما ال��ذي يسعى إليه وم��ا الذي‬ ‫يتوق إلى حتقيقه.‬ ‫كان مثله مثل كثير من شباب جيله فمع أن‬ ‫أياً منهم لم يكن تعساً إال أن قليالً منهم كان‬ ‫سعيداً بوعي وإدراك.‬
‫01‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫2-‬‫في أحد أيام ربيع سنة 2291م وعمره لم‬ ‫يتجاوز الثانية والعشرين ك��ان على ظهر‬ ‫السفينة متوجهاً إلى (القدس, فلسطني).‬ ‫ل��و ق��ال ل��ه أح��د ف��ي ذل��ك ال��وق��ت إن أول‬ ‫معرفة له مباشرة لإلسالم ستصبح نقطة‬ ‫حتول عظمى في حياته, لعد ذلك القول‬ ‫م��زح��ة, ل�ي��س ب��ال�ط�ب��ع ألن ��ه م�ح�ص��ن ضد‬ ‫إغراءات الشرق التي تربط ذهن األوروبي‬ ‫برومانتيكية ألف ليلة وليلة, ولكنه كان أبعد‬ ‫ما يكون عن أن يتوقع أن تؤدي تلك الرحلة‬ ‫إلى أي مغامرات روحية.‬ ‫كل ما كان يدور في ذهنه عن تلك الرحلة‬ ‫كان يتعامل معه برؤية غربية, فقد كان رهانه‬ ‫محصوراً في حتقيق قدر أعمق في املشاعر‬
‫11‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫واإلدراك من خالل البيئة الثقافية الوحيدة‬ ‫التي نشأ فيها وه��ي البيئة األوروب �ي��ة, لم‬ ‫يكن إال شاباً أوروب �ي �ا نشأ على االعتقاد‬ ‫ً‬ ‫ب��أن اإلس��الم وك��ل رم��وزه ليس إال محاولة‬ ‫التفافية حول التاريخ اإلنساني, محاولة ال‬ ‫حتظى حتى باالحترام من الناحية الروحية‬ ‫ً‬ ‫واألخالقية, ومن ثم اليستحق الذكر, فضال‬ ‫عن أن يوازن بالدينني الوحيدين اللذين يرى‬ ‫الغرب أنهما يستحقان االهتمام والبحث:‬ ‫اليهودية واملسيحية, كان يلف تفكيره الفكر‬ ‫الضبابي القامت واالنحياز الغربي ضد كل‬ ‫ما هو إسالمي أو كما يعبر عن نفسه: (لو‬ ‫تعاملت بعدل مع ذاتي ألق��ررت أني أيضا‬ ‫كنت غارقا حتى أذني في تلك الرؤية الذاتية‬ ‫األوروبية والعقلية املتعالية التي اتسم بها‬ ‫الغرب على مدى تاريخه:401)(1).‬

‫1- الرقم يشير إلى رقم الصفحة من كتاب «الطريق إلى مكة», تأليف محمد أسد؛‬ ‫وسائر اإلحاالت املشار إليها باألرقام ستكون إلى صفحات الكتاب نفسه.‬

‫21‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ولكن بعد أربع سنوات كان ينطق بشهادة «أن‬ ‫ال إله إال الله محمد رسول الله» ويتسمى‬ ‫باسم «محمد أسد».‬ ‫بالرغم م��ن أن حياته تفيض باملغامرات‬ ‫واملفاجئات واملصادفات فلم يكن إسالمه‬ ‫نتيجة ألي من ذلك, بل كان نتيجة لسنوات‬ ‫ع ��دة م��ن ال �ت �ج��ول ف��ي ال �ع��ال��م اإلسالمي‬ ‫واالخ�ت��الط بشعوبه, والتعمق في ثقافته‬ ‫واط��الع��ه ال��واس��ع على تراثه بعد إجادته‬ ‫للغة العربية والفارسية.‬ ‫كان ليوبوند فايس في األعوام املبكرة من‬ ‫شبابه بعدما أصابه اإلحباط وخيبة األمل‬ ‫في العقيدة اليهودية التي ينتمي إليها قد‬ ‫اجته تفكيره إلى املسيحية بعد أن وجد أن‬ ‫املفهوم املسيحي لإلله يتميز عن املفهوم‬ ‫اليهودي ألنه لم يقصر اهتمام اإلل��ه على‬
‫31‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫مجموعة معينة من البشر ترى أنها وحدها‬ ‫شعب الله املختار, وعلى الرغم من ذلك‬ ‫كان هناك جانب من الفكر املسيحي قلل‬ ‫في رأي��ه إمكانية تعميمه وصالحيته لكل‬ ‫البشر أال وهو التمييز بني الروح والبدن.‬ ‫أي بني عالم الروح وعالم الشئون الدنيوية.‬ ‫وب�س�ب��ب ت�ن��ائ��ي املسيحية امل�ب�ك��ر ع��ن كل‬ ‫احمل ��اوالت التي تهدف إل��ى تأكيد أهمية‬ ‫املقاصد الدنيوية, كفت من قرون طويلة عن‬ ‫أن تكون دافعاً أخالقياً للحضارة الغربية,‬ ‫إن رسوخ املوقف التاريخي العتيق للكنيسة‬ ‫في التفريق بني ما للرب وما لقيصر, نتج‬ ‫عنه تَرك اجلانب االجتماعي واالقتصادي‬ ‫ْ ُ‬ ‫يعاني فراغاً دينياً, وترتب على ذلك غياب‬ ‫األخالق في املمارسات الغربية السياسية‬ ‫واالقتصادية مع باقي دول العالم.‬
‫41‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫َ َ َّ َ‬ ‫ومثل ذلك إخفاقا لتحقيق ما هدفت إليه‬ ‫ً‬ ‫رسالة املسيح أو أي دين آخر.‬ ‫فالهدف اجلوهري ألي دين ليس هو فقط‬ ‫تعليم البشر كيف ي��درك��ون ويشعرون, بل‬ ‫كيف يعيشون معيشة صحيحة وينظمون‬ ‫العالقات املتبادلة بطريقة سوية عادلة,‬ ‫وإن إحساس الرجل الغربي أن الدين قد‬ ‫خذله جعله يفقد إميانه احلقيقي باملسيحية‬ ‫خالل قرون, وبفقدانه إلميانه فقد اقتناعه‬ ‫ََ َ‬ ‫ب��أن ال�ك��ون وال��وج��ود تعبير ع��ن ق��وة خلق‬ ‫واح ��دة وب�ف�ق��دان ذل��ك االق�ت�ن��اع ع��اش في‬ ‫خواء روحي وأخالقي.‬ ‫كان اقتناعه في شبابه املبكر أن اإلنسان‬ ‫ال يحيا باخلبز وحده قد تبلور إلى اقتناع‬ ‫ف �ك��ري ب��أن ع �ب��ادة ال�ت�ق��دم امل� ��ادي ليست‬ ‫إال ب��دي�ال وهميا ل��إلمي��ان السابق بالقيم‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫51‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫امل� �ج���ردة, وأن اإلمي � ��ان ال ��زائ ��ف باملادة‬ ‫جعل الغربيني يعتقدون بأنهم سيقهرون‬ ‫املصاعب التي تواجههم حالياً, كانت جميع‬ ‫النظم االقتصادية التي خرجت من معطف‬ ‫امل ��ادة ع��الج �اً م��زي�ف�اً وخ��ادع �اً وال تصلح‬ ‫لعالج البؤس الروحي للغرب. كان التقدم‬ ‫امل��ادي بإمكانه في أفضل احل��االت شفاء‬ ‫بعض أعراض املرض إال أن من املستحيل‬ ‫أن يعالج سبب املرض.‬ ‫كانت أول عالقة ل��ه بفكرة اإلس��الم وهو‬ ‫ي�ق�ض��ي أي���ام رح �ل �ت��ه األول� ��ى ف��ي القدس‬ ‫عندما رأى مجموعة م��ن ال�ن��اس يصلون‬ ‫ص��الة اجلماعة ي�ق��ول (أصابتني احليرة‬ ‫حني شاهدت صالة تتضمن حركات آلية,‬ ‫فسألت اإلمام هل تعتقد حقاً أن الله ينتظر‬ ‫منك أن تظهر ل��ه إمي��ان��ك بتكرار الركوع‬
‫61‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫والسجود؟ أال يكون من األفضل أن تنظر‬ ‫داخلك وتصلي إلى ربك بقلبك وأنت ساكن؟‬ ‫أجاب: بأي وسيلة أخرى تعتقد أننا ميكن‬ ‫أن نعبد الله؟ ألم يخلق الروح واجلسد معاً؟‬ ‫ومبا أنه خلقنا جسداً وروح�اً أال يجب أن‬ ‫نصلي باجلسد وال��روح ؟ ثم مضى يشرح‬ ‫املعنى من حركات الصالة, أيقنت بعد ذلك‬ ‫بسنوات أن ذلك الشرح البسيط قد فتح لي‬ ‫أول باب لإلسالم: 021).‬ ‫بعد هذه احلادثة بشهور كان يدخل اجلامع‬ ‫األم��وي ف��ي دمشق وي��رى ال�ن��اس يصلون,‬ ‫ويصف هذا املشهد (اصطف مئات املصلني‬ ‫في صفوف طويلة منتظمة خلف اإلمام,‬ ‫ركعوا وسجدوا كلهم في توحد مثل اجلنود,‬ ‫كان املكان يسوده الصمت يسمع املرء صوت‬ ‫اإلمام من أعماق املسجد اجلامع يتلو آيات‬
‫71‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫القرآن الكرمي, وحني يركع أو يسجد يتبعه‬ ‫كل املصلني كرجل واحد.‬ ‫أدرك ��ت ف��ي تلك اللحظة م��دى ق��رب الله‬ ‫منهم وقربهم منه ب��دا ل��ي أن صالتهم ال‬ ‫تنفصل عن حياتهم اليومية بل كانت جزءاً‬ ‫منها, التعينهم صالتهم على نسيان احلياة‬ ‫بل تعمقها أكثر بذكرهم لله.‬ ‫قلت لصديقي ومضيفي ون�ح��ن ننصرف‬ ‫من اجلامع: ما أغرب ذلك وأعظمه! إنكم‬ ‫تشعرون أن ال�ل��ه ق��ري��ب منكم, أمت�ن��ى أن‬ ‫ميأني أنا أيضاً ذلك الشعور, رد صاحبي:‬ ‫ما ال��ذي ميكن أن نحسه غير ذل��ك والله‬ ‫يقول في كتابه العزيز {ولَ َقد خ َل ْق َنا النسان َون َْع َل ُم‬ ‫َ ْ َ ِْ َ َ‬ ‫ُِ ِ ُ ْ ُ ُ ِ ْ َ ِ ِ ِ‬ ‫َم��ا ُت��وس �وس بِ�ه نَ� ْف��س� ُ�ه َونَ��ح��ن َأ ْق ��رب إِلَ� ْ�ي�ه ِم��ن ح� ْ�ب�ل ال َْوريد}‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫(61 سورة ق).‬ ‫وي �ق��ول ب�ع��د ذل ��ك: (تَ� �رك ��ت ت�ل��ك الشهور‬ ‫ََ ْ‬
‫81‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫األول��ى التي عشتها في بلد عربي قطارا‬ ‫ً‬ ‫طويالً من االنعكاسات واالنطباعات, لقد‬ ‫واجهت مغزى احلياة وجها لوجه وكان ذلك‬ ‫جديداً متاماً على حياتي. األنفاس البشرية‬ ‫الدافئة تتدفق من مجرى دم أولئك الناس‬ ‫إلى أفكارهم بال متزقات روحية مؤملة من‬ ‫عدم االطمئنان واخلوف والطمع واإلحباط‬ ‫ال��ذي جعل احلياة األوروب�ي��ة حياة قبيحة‬ ‫وسيئة التعد بأي شيء: 131).‬ ‫(أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب‬ ‫املسلمة ألني وجدت لديهم تالحما عضويا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب��ني الفكر واحل ��واس ذل��ك التالحم الذي‬ ‫فقدناه نحن األوروب �ي��ني, وأعتقد أن��ه من‬ ‫خ��الل فهم أق��رب وأف�ض��ل حلياتهم ميكن‬ ‫أن اكتشف احللقة امل�ف�ق��ودة ال�ت��ي تسبب‬ ‫معاناة الغربيني وهي تآكل التكامل الداخلي‬
‫91‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫للشخصية األوروبية لقد اكتشفت كنه ذلك‬ ‫الشيء الذي جعلنا نحن أهل الغرب ننأى‬ ‫ع��ن احل��ري��ة احلقة بشروطها املوضوعية‬ ‫التي يتمتع بها املسلمون حتى في عصور‬ ‫انهيارهم االجتماعي والسياسي: 231).‬ ‫(ما كنت أشعر به في البداية أنه ال يعدو‬ ‫أكثر من تعاطف مع شكل احلياة العربية‬ ‫واألم��ان املعنوي ال��ذي أحسبه فيما بينهم‬ ‫َ َ َّ َ‬ ‫حتول بطريقة ال أدركها إلى ما يشبه املسألة‬ ‫الذاتية, زاد وعيي برغبة طاغية في معرفة‬ ‫كنه ذلك الشيء الذي يكمن في أسس األمن‬ ‫املعنوي والنفسي وجعل حياة العرب تختلف‬ ‫كلياً ع��ن ح�ي��اة األوروب��ي��ني, ارت�ب�ط��ت تلك‬ ‫الرغبة بشكل غامض مبشكالتي الشخصية‬ ‫الدفينة, بدأت أبحث عن مداخل تتيح لي‬ ‫فهما أفضل للشخصية العربية واألفكار‬
‫02‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫التي شكلتهم وصاغتهم وجعلتهم يختلفون‬ ‫روح�ي�اً ع��ن األوروب �ي��ني, ب��دأت أق��رأ كثيراً‬ ‫بتركيز في تاريخهم وثقافتهم ودينهم, وفي‬ ‫غمرة اهتمامي أحسست بأني قد توصلت‬ ‫إل��ى اك�ت�ش��اف م��ا ي �ح��رك قلوبهم ويشغل‬ ‫فكرهم وي�ح��دد لهم اجت��اه�ه��م, أحسست‬ ‫أيضا بضرورة اكتشاف القوى اخلفية التي‬ ‫حتركني -أنا ذاتي- وتشكل دوافعي وتشغل‬ ‫فكري وتعدني أن تهديني السبيل: 231).‬ ‫(ق�ض�ي��ت ك��ل وق �ت��ي ف��ي دم �ش��ق أق ��رأ من‬ ‫الكتب ك��ل م��ا ل��ه ع��الق��ة ب��اإلس��الم, كانت‬ ‫لغتي العربية تسعفني في تبادل احلديث‬ ‫إال أنها كانت أضعف من أن متكنني من‬ ‫قراءة القرآن الكرمي.‬ ‫لذا جلأت إلى ترجمة ملعاني القرآن الكرمي,‬ ‫أما ما عدا القرآن الكرمي فقد اعتمدت فيه‬
‫12‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫على أعمال املستشرقني األوروبيني.‬ ‫ومهما كانت ضآلة ما عرفت إال أن��ه كان‬ ‫أشبه برفع ستار, ب��دأت في معرفة عالم‬ ‫من األفكار كنت غافالً عنه وجاهالً به حتى‬ ‫ذلك الوقت, لم يبد لي اإلسالم دينا باملعنى‬ ‫املتعارف عليه بني الناس لكلمة دي��ن, بل‬ ‫بدا لي أسلوباً للحياة, ليس نظاما الهوتيا‬ ‫ب�ق��در م��ا ه��و س�ل��وك ف��رد ومجتمع يرتكز‬ ‫على الوعي بوجود إله واح��د, لم أجد في‬ ‫أي آية من آيات القرآن الكرمي أي إشارة‬ ‫إل��ى احتياج البشر إل��ى اخل��الص الروحي‬ ‫وال يوجد كذلك خطيئة أُولَى موروثة تقف‬ ‫ْ‬ ‫حائالً بني املرء وقدره الذي قدره الله له,‬ ‫واليبقى البن آدم إال عمله الذي سعى إليه,‬ ‫واليوجد حاجة إلى الترهب والزهد لفتح‬ ‫أب��واب خفية لتحقيق اخل��الص, اخلالص‬
‫22‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫حق مكفول للبشر بالوالدة, واخلطيئة التعني‬ ‫إال ابتعاد الناس عن الفطرة التي خلقهم‬ ‫الله عليها, لم أجد أي أثر على الثنائية في‬ ‫الطبيعة البشرية فالبدن والروح يعمالن في‬ ‫املنظور اإلسالمي كوحدة واحدة الينفصل‬ ‫أحدهما عن اآلخر.‬ ‫أدهشني في البداية اهتمام القرآن الكرمي‬ ‫ليس باجلوانب الروحية فقط بل بجوانب‬ ‫أخرى غير مهمة من األمور الدنيوية, ولكن‬ ‫مع مرور الوقت بدأت أدرك أن البشر وحدة‬ ‫متكاملة من بدن وروح, وقد أكد اإلسالم‬ ‫ذلك, اليوجد وجه من وجوه احلياة ميكن‬ ‫أن ن�ع��ده مهمشاً ب��ل إن ك��ل ج��وان��ب حياة‬ ‫البشر تأتي في صلب اهتمامات الدين.‬ ‫لم يدع القرآن الكرمي املسلمني ينسون أن‬ ‫احلياة الدنيا ليست إال مرحلة في طريق‬
‫32‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫البشر نحو حتقيق وجود أسمى وأبقى وأن‬ ‫الهدف النهائي ذو سمة روحية, ويرى أن‬ ‫الرخاء املادي الضرر منه إال أنه ليس غاية‬ ‫ف��ي ح��د ذات��ه, لذلك الب��د أن تقنن شهية‬ ‫اإلنسان وشهواته وتتم السيطرة عليها بوعي‬ ‫أخالقي من الفرد, هذا الوعي اليوجه إلى‬ ‫الله فقط بل يوجه أيضاً إلى البشر فيما‬ ‫بينهم ال من أجل الكمال الديني وحده بل‬ ‫م��ن أج��ل خلق حالة اجتماعية ت��ؤدي إلى‬ ‫تطور وعي للمجتمع بأكمله حتى يتمكن من‬ ‫أن يحيا حياة كاملة.‬ ‫ن �ظ��رت إل ��ى ك��ل ت �ل��ك اجل ��وان ��ب الفكرية‬ ‫واألخالقية بتقدير وإجالل, كان منهجه في‬ ‫تناول مشكالت الروح أعمق كثيراً من تلك‬ ‫التي وجدتها في العهد القدمي, هذا عدا‬ ‫أنه لم يأت لبشر دون بشر وال ألمة بذاتها‬
‫42‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫دون غيرها, كما أن منهجه في مسألة البدن‬ ‫بعكس منهج العهد اجلديد, منهج إيجابي‬ ‫ال يتجاهل البدن, البدن والروح معاً يكونان‬ ‫البشر كتوأمني متالزمني, سألت: أال ميكن‬ ‫أن يكون ذلك املنهج هو السبب الكامن وراء‬ ‫اإلحساس باألمن والتوازن الفكري والنفسي‬ ‫الذي مييز العرب واملسلمني: 661-861).‬

‫52‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫3-‬‫بعد أن غادر سوريا بقي شهوراً في تركيا‬ ‫في طريق عودته إلى أوروبا لتنتهي رحلته‬ ‫األولى إلى العالم اإلسالمي.‬ ‫(بدأت انطباعاتي عن تركيا تفقد حيويتها‬ ‫وأنا في القطار املتوجه إلى فينا وما ظل‬ ‫راسخاً هو الثمانية عشر شهرا التي قضيتها‬ ‫ف��ي ال�ب��الد العربية, صدمني إدراك ��ي أن‬ ‫أتطلع إلى املشاهد األوروبية التي اعتدتها‬ ‫ِبعيْنَي من هو غريب عنها, بدا الناس في‬ ‫َ ِّ‬ ‫نظري في غاية القبح, وحركاتهم خالية من‬ ‫الرقة, وال عالقة مباشرة بني حركاتهم وما‬ ‫يدرونه ويشعرون به أدركت فجأة أنه على‬ ‫الرغم من املظاهر التي تنبئ بأنهم يعرفون‬ ‫ما يريدون إال أنهم ال يعرفون أنهم يحيون‬
‫62‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫في عالم االدع��اء والتظاهر, اتضح لي أن‬ ‫حياتي بني العرب غيرت منهجي ورؤيتي ملا‬ ‫كنت أعده مهما وضروريا للحياة, تذكرت‬ ‫بشيء من الدهشة أن أوروبيني آخرين قد‬ ‫مروا بتجارب حياتية مع العرب وعايشوهم‬ ‫أزم��ان��ا ط��وي�ل��ة فكيف ل��م تعترهم دهشة‬ ‫االكتشاف كما اعترتني أم أن ذلك قد وقع‬ ‫لهم أيضا ؟ هل اهتز أحدهم من أعماقه‬ ‫كما حدث لي: 871-971).‬ ‫(توقفت بضعة أسابيع في فيينا واحتفلت‬ ‫بتصاحلي مع أبي الذي سامحني على ترك‬ ‫دراستي اجلامعية ومغادرتي منزل األسرة‬ ‫بتلك الطريقة الفجة, على أي ح��ال كنت‬ ‫مراسال جلريدة «فرانكفوت زيتوجن» وهو‬ ‫اس��م يلقى التقدير والتبجيل ف��ي وسط‬ ‫أوروب��ا في ذلك الوقت وهكذا حققت في‬
‫72‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ن�ظ��ره مصداقية م��ا زع�م��ت ل��ه قبل ذلك‬ ‫من أني سأحقق ما أصبو إليه وأصل إلى‬ ‫القمة: 971).‬ ‫(رح �ل��ت ب�ع��د ذل��ك م��ن فينا م�ب��اش��رة إلى‬ ‫ف��ران�ك�ف��ورت ألق ��دم نفسي شخصياً إلى‬ ‫الصحيفة التي كنت أمثلها في اخلارج على‬ ‫مدى عام, كنت في طريقي إليها وأنا أشد‬ ‫ثقة بنفسي فالرسائل التي كنت أتلقاها من‬ ‫فرانكفورت أظهرت لي أن مقاالتي كانت‬ ‫تلقى كل التقدير والترحيب: 081).‬ ‫(أن أك� ��ون ع �ض��وا ع��ام��ال ف��ي م �ث��ل تلك‬ ‫الصحيفة كان مصدر فخر واعتزاز لشاب‬ ‫في مثل سني وعلى الرغم من أن مقاالتي‬ ‫عن الشرق األوسط قوبلت باهتمام شديد‬ ‫م��ن ق�ب��ل جميع احمل��رري��ن إال أن نصري‬ ‫الكامل حتقق في اليوم الذي كلفت فيه أن‬
‫82‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫أكتب مقاال افتتاحيا بالصحيفة عن مشكلة‬ ‫الشرق األوسط:281).‬ ‫(كان من نتائج عملي في جريدة «فرانكفورت‬ ‫زيتوجن» النضج املبكر لتفكيري الواعي كما‬ ‫نتجت عنه رؤي��ة ذهنية أكثر وضوحا من‬ ‫أي وق��ت مضى, ف�ب��دأت ف��ي م��زج خبرتي‬ ‫بالشرق بعالم الغرب الذي أصبحت جزءا‬ ‫منه من جديد.‬ ‫منذ عدة شهور مضت اكتشفت العالقة بني‬ ‫االطمئنان النفسي والعاطفي السائد في‬ ‫نفوس العرب وعقيدة اإلسالم التي يؤمنون‬ ‫ب�ه��ا, كما ب��دأ يتبلور ف��ي ذه�ن��ي أن نقص‬ ‫التكامل النفسي الداخلي لأوروبيني وحالة‬ ‫الفوضى الالأخالقية التي تسيطر عليهم‬ ‫قد تكون ناجتة من عدم وجود إميان ديني‬ ‫وقد تكونت احلضارة الغربية في غيابه, لم‬
‫92‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ينكر الغربي اإلله إال أنه لم يترك له مكانا‬ ‫في أنساقه الفكرية: 281).‬ ‫بعد عودته إلى أوروبا من رحلته كان يحس‬ ‫بامللل إحساس من أجبر على التوقف قبل‬ ‫التوصل إلى كشف عظيم سيميط عن نفسه‬ ‫احلجب لو أتيح له مزيد من الوقت.‬ ‫كان يتوق إلى العودة إلى الشرق مرة أخرى, وقد‬ ‫حتقق له ما أراد إذ أن رئيس حترير اجلريدة‬ ‫الدكتور هنري سيمون –الذي كان في ذلك‬ ‫الوقت مشهوراً في أرجاء العالم– قد رأى فيه‬ ‫مراسال صحفيا واعدا فوافق بحماس على‬ ‫عودته إلى الشرق األوسط بسرعة.‬

‫03‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫4-‬‫ع��اد إل��ى ال �ش��رق ليقضي ع��ام��ني آخرين‬ ‫ب��ني مصر وب ��الد ال �ش��ام وال �ع��راق وإيران‬ ‫وأفغانستان عاد من أوروبا وفي ذهنه صورة‬ ‫عن عالم الغرب ظلت ت��زداد في ذهنه مع‬ ‫األيام رسوخا وثباتا عبر عن هذه الصورة‬ ‫فيما يأتي: (حقا إن اإلن�س��ان الغربي قد‬ ‫أسلم نفسه لعبادة الدجال لقد فقد منذ‬ ‫وقت طويل براءته, وفقد كل متاسك داخلي‬ ‫مع الطبيعة, لقد أصبحت احلياة في نظره‬ ‫لغزا, إنه مرتاب شكوك ولذا فهو منفصل‬ ‫عن أخيه, ينفرد بنفسه ولكي اليهلك في‬ ‫وح��دت��ه ه��ذه ف��إن عليه أن يسيطر على‬ ‫احلياة بالوسائل اخلارجية, وحقيقة كونه‬ ‫على قيد احلياة لم تعد وحدها قادرة على‬
‫13‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫أن تشعره باألمن الداخلي, ولذا فإن عليه‬ ‫أن يكافح دائماً وبألم في سبيل هذا األمن‬ ‫من حلظة إلى أخرى, وبسبب أنه فقد كل‬ ‫توجيه ديني وقرر االستغناء عنه فإن عليه أن‬ ‫يخترع لنفسه باستمرار حلفاء ميكانيكيني,‬ ‫من هنا منا عنده امليل احملموم إلى التقنية‬ ‫والتمكن من قوانينها ووسائلها, إنه يخترع‬ ‫كل يوم آالت جديدة ويعطى كال منها بعض‬ ‫روح��ه كيما تنافح في سبيل وج��وده, وهي‬ ‫تفعل ذل��ك حقا ولكنها ف��ي ال��وق��ت نفسه‬ ‫تخلق له حاجات جديدة, ومخاوف جديدة‬ ‫وظمأ ال يروى إلى حلفاء جدد آخرين أكثر‬ ‫اصطناعية, وتضيع روحه في ضوضاء اآللة‬ ‫اخلانقة التي تزداد مع األيام قوة وغرابة,‬ ‫وتفقد اآللة غرضها األصلي – أي أن تصون‬ ‫وتغني احلياة اإلنسانية- وتتطور إلى صنم‬
‫23‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫بذاته, صنم من فوالذ, ويبدو أن كهنة هذا‬ ‫املعبود واملبشرين به غير مدركني أن سرعة‬ ‫التقدم التقني احلديث هي نتيجة ليس لنمو‬ ‫املعرفة اإليجابي فحسب بل لليأس الروحي‬ ‫أي�ض��ا, وأن االن �ت �ص��ارات امل��ادي��ة العظمى‬ ‫التي يعلن اإلنسان الغربي أنه بها يستحق‬ ‫السيادة على الطبيعة هي في صميمها ذات‬ ‫صفة دفاعية فخلف واجهتها البراقة يكمن‬ ‫اخل��وف من الغيب, إن احل�ض��ارة الغربية‬ ‫لم تستطع حتى اآلن أن تقيم ت��وازن��ا بني‬ ‫ح��اج��ات اإلن�س��ان اجلسمية واالجتماعية‬ ‫وبني أشواقه الروحية لقد تخلت عن آداب‬ ‫دياناتها السابقة دون أن تتمكن أن تخرج من‬ ‫نفسها أي نظام أخالقي آخر –مهما كان‬ ‫نظرياً– يخضع نفسه للعقل, بالرغم من كل‬ ‫ما حققته من تقدم ثقافي فإنها لم تستطع‬
‫33‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫حتى اآلن التغلب على استعداد اإلنسان‬ ‫األحمق للسقوط فريسة ألي هتاف عدائي‬ ‫ً‬ ‫أو ن��داء للحرب مهما ك��ان سخيفاً باطال‬ ‫يخترعه احل��اذق��ون م��ن ال��زع �م��اء.. األمم‬ ‫الغربية وصلت إل��ى درج��ة أصبحت معها‬ ‫اإلمكانات العلمية غير احمل��دودة تصاحب‬ ‫الفوضى العملية, وإذا كان الغربي يفتقر‬ ‫إلى توجيه ديني حاذق فإنه اليستطيع أن‬ ‫يفيد أخالقياً من ضياء املعرفة الذي تسكبه‬ ‫علومه وهي ال شك عظيمة, إن الغربيني‬ ‫–في عمى وعجرفة– يعتقدون عن اقتناع‬ ‫أن حضارتهم هي التي ستنير العالم وحتقق‬ ‫السعادة, وأن كل املشاكل البشرية ميكن‬ ‫حلها ف��ي املصانع واملعامل وعلى مكاتب‬ ‫احملللني االقتصاديني واإلحصائيني, إنهم‬ ‫بحق يعبدون الدجال: 373).‬
‫43‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫في هذه الرحلة الثانية أمكنه أن يتقن اللغة‬ ‫العربية, ولذلك فبدل أن ينظر إلى اإلسالم‬ ‫بعني غيره من املستشرقني ومترجمي القرآن‬ ‫غير املسلمني صار في إمكانه أن ينظر إلى‬ ‫اإلس��الم في تراثه الثقافي كما هو, لم يعد‬ ‫على اع�ت�ق��اده السابق استحالة أن يتفهم‬ ‫األوروبي بوعي العقلية اإلسالمية, أيقن أنه‬ ‫لو حترر املرء متاما من عاداته التي نشأ عليها‬ ‫ومناهجها الفكرية وتقبل مفهوم أنها ليست‬ ‫بالضرورة األساليب الصحيحة في احلياة‬ ‫ألمكن أن يفهم ما يبدو غريبا في نظره من‬ ‫اإلس��الم, كانت فكرته عن اإلس��الم تتطور‬ ‫وتنمو طوال هذه الرحلة الثانية التي أمكنه‬ ‫فيها أن يختلط بالشعوب ويناقش العلماء,‬ ‫ويتصل بالزعماء.‬ ‫(ك��ان التفكير ف��ي اإلس��الم يشغل ذهني,‬
‫53‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫إن األمر بدا لي في ذلك الوقت أنه رحلة‬ ‫الستكشاف ما أجهله من تلك املناطق, كان‬ ‫ك��ل ي��وم مي��ر يضيف إل��ي م�ع��ارف جديدة,‬ ‫َّ‬ ‫ويطرح أسئلة جديدة ألجد إجاباتها تأتي‬ ‫من اخل��ارج, جميعها أيقظت شيئاً ما كان‬ ‫نائماً في أعماقي وكلما منت معارفي عن‬ ‫اإلس���الم ك�ن��ت أش �ع��ر م��رة ب�ع��د أخ ��رى أن‬ ‫احلقائق اجلوهرية التي كانت كامنة في‬ ‫أعماقي من دون أن أع��ي وج��وده��ا بدأت‬ ‫ت�ن�ك�ش��ف ت��دري �ج �ي��ا وي �ت��أك��د ت�ط��اب�ق�ه��ا مع‬ ‫اإلسالم:552).‬ ‫كان اليقني ينمو في داخله بأنه يقترب من‬ ‫إج��اب��ة نهائية ع��ن أسئلته, بتفهمه حلياة‬ ‫املسلمني كان يقترب يومياً من فهم أفضل‬ ‫لإلسالم, وكان اإلسالم دائماً مسيطراً على‬ ‫ذهنه (اليوجد في العالم بأجمعه ما يبعث‬
‫63‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫في نفسي مثل تلك الراحة التي شعرت بها‬ ‫وال�ت��ي أصبحت غير م��وج��ودة ف��ي الغرب‬ ‫ومهددة اآلن بالضياع واالختفاء من الشرق,‬ ‫تلك الراحة وذل��ك الرضا اللذات يعبران‬ ‫عن التوافق الساحر بني الذات اإلنسانية‬ ‫والعالم الذي يحيط بها: 832).‬ ‫بهذه الروح من التسامح جتاه اآلخر استطاع‬ ‫بسهولة أن يتخلص م��ن ان �خ��داع الرجل‬ ‫الغربي وإساءته فهم اإلسالم بسبب ما يراه‬ ‫من تخلف وانحطاط في العالم اإلسالمي.‬ ‫(اآلراء الشائعة في الغرب عن اإلسالم‬ ‫{تتلخص} فيما يأتي: «انحطاط املسلمني‬ ‫ناجت عن اإلسالم وأنه مبجرد حتررهم من‬ ‫العقيدة اإلسالمية وتبني مفاهيم الغرب‬ ‫وأساليب حياتهم وفكرهم فإن ذلك سيكون‬ ‫أفضل لهم وللعالم» إال أن ما وجدته من‬
‫73‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫مفاهيم وما توصلت إلى فهمه من مبادئ‬ ‫اإلسالم وقيمه أقنعني أن ما يردده الغرب‬ ‫ليس إال مفهوما مشوها لإلسالم... اتضح‬ ‫لي أن تخلف املسلمني لم يكن ناجتا عن‬ ‫اإلس���الم, ول�ك��ن إلخفاقهم ف��ي أن يحيوا‬ ‫كما أمرهم اإلسالم.. لقد كان اإلسالم هو‬ ‫ما حمل املسلمني األوائ��ل إل��ى ذرا فكرية‬ ‫وثقافية سامية): 342 – 442).‬ ‫(وف��ر اإلس ��الم باختصار ح��اف��زا قويا إلى‬ ‫التقدم املعرفي والثقافي واحلضاري الذي‬ ‫أب ��دع واح� ��دة م��ن أروع ص�ف�ح��ات التاريخ‬ ‫اإلن�س��ان��ي, وق��د وف��ر ذل��ك احل��اف��ز مواقف‬ ‫إيجابية عندما حدد في وضوح نعم للعقل‬ ‫وال ل �ظ��الم اجل �ه��ل, ن �ع��م للعمل والسعي‬ ‫والللتقاعد والنكوص, نعم للحياة وال للزهد‬ ‫والرهبنة, ولذلك لم يكن عجباً أن يكتسب‬
‫83‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫اإلس��الم أتباعا في طفرات هائلة مبجرد‬ ‫أن ج��اوز ح��دود ب��الد ال�ع��رب, فقد وجدت‬ ‫الشعوب التي نشأت في أحضان مسيحية‬ ‫القديس بولس والقديس أوجستني... دينا ال‬ ‫يقر عقيدة ومفهوم اخلطيئة األولى.. ويؤكد‬ ‫كرامة احلياة البشرية, ولذلك دخلوا في دين‬ ‫الله أفواجا, جميع ذلك يفسر كيفية انتصار‬ ‫اإلسالم وانتشاره الواسع والسريع في بداياته‬ ‫التاريخية ويفند مزاعم من روجوا أنه انتشر‬ ‫بحد السيف, لم يكن املسلمون إذاً هم من‬ ‫خلقوا عظمة اإلسالم, بل كان اإلسالم من‬ ‫خلق عظمة املسلمني, ومب�ج��رد أن حتول‬ ‫إميانهم إلى ع��ادة, وابتعد أن يكون منهجا‬ ‫وأسلوبا للحياة خبا وهج النبض اخلالق في‬ ‫تلك احلضارة وحل محلها تدريجيا التقاعس‬ ‫والعقم وحتلل الثقافة:642).‬
‫93‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫كان ذكاؤه احلاد ونفاذ بصيرته, ونهمه إلى‬ ‫االط ��الع على ال �ت��راث الفكري للمسلمني‬ ‫ي�ع�م��ق م�ع��رف�ت��ه ب ��اإلس ��الم ف�ي�ب�ص��ره على‬ ‫حقيقته (كانت ص��ور نهائية متكاملة عن‬ ‫اإلسالم تتبلور في ذهني, كان يدهشني في‬ ‫أوق��ات كثيرة أنها تتكون داخلي مبا يشبه‬ ‫االرتشاح العقلي والفكري أي أنها تتم من‬ ‫دون وعي وإرادة مني, كانت األفكار تتجمع‬ ‫ويضمها ذهني بعضها إلى بعض في عملية‬ ‫تنظيم ومنهجة لكل الشذرات من املعلومات‬ ‫التي عرفتها عن اإلسالم.‬ ‫رأي��ت ف��ي ذه�ن��ي عمال عمرانيا متكامال‬ ‫تتضح معامله رويداً رويداً بكل ما حتتويه من‬ ‫عناصر االكتمال, وتناغم األجزاء واملكونات‬ ‫مع الكل املتكامل في ت��وازن ال يخل جزء‬ ‫منه بآخر, توازن مقتصد بال خلل, ويشعر‬
‫04‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫امل��رء أن منظور اإلس ��الم ومسلماته كلها‬ ‫في موضعها املالئم الصحيح من الوجود:‬ ‫183).‬ ‫(كانت أه��م صفة ب��ارزة حلضارة اإلسالم‬ ‫وهي الصفة التي انفردت بها عن احلضارات‬ ‫البشرية السابقة أو الالحقة أنها منبثقة من‬ ‫إرادة حرة لشعوبها, لم تكن مثل حضارات‬ ‫سابقة وليدة قهر وضغط وإك��راه وتصارع‬ ‫إرادات وصرع مصالح, ولكنها كانت جزءا‬ ‫وكال من رغبة حقيقية أصيلة لدى جميع‬ ‫املسلمني مستمدة م��ن إميانهم بالله وما‬ ‫حثهم عليه م��ن إع �م��ال فكر وع �م��ل, لقد‬ ‫كانت تعاقدا اجتماعياً أص�ي�الً ال مجرد‬ ‫كالم أجوف يدافع به جيل تال عن امتيازات‬ ‫خاصة بهم... لقد حتققت أن ذلك العقد‬ ‫االجتماعي الوحيد املسجل تاريخيا حتقق‬
‫14‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫فقط على مدى زمني قصير جدا, أو على‬ ‫ً‬ ‫األص��ح أن��ه على م��دى زمني قصير حتقق‬ ‫العقد على نطاق واسع, بعد أقل من مائة‬ ‫سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم‬ ‫بدأ الشكل النقي األصيل لإلسالم يدب فيه‬ ‫الفساد وفي القرون التالية بدأ املنهج القومي‬ ‫ي��زاح إلى اخللفية... لقد ح��اول املفكرون‬ ‫اإلسالميون أن يحفظوا نقاء العقيدة إال‬ ‫أن م��ن أت ��وا بعدهم ك��ان��وا أق��ل ق ��درة من‬ ‫سابقيهم, وتقاعسوا عن االجتهاد.. وتوقفوا‬ ‫ع��ن التفكير امل�ب��دع واالج�ت�ه��اد اخلالق...‬ ‫كانت القوة الدافعة األولى لإلسالم كافية‬ ‫لوضعه في قمة سامية من الرقي احلضاري‬ ‫والفكري.. وهذا ما دفع املؤرخني إلى وصف‬ ‫تلك املرحلة بالعصر الذهبي لإلسالم, إال‬ ‫أن القوة الدافعة قد ماتت لنقص الغذاء‬
‫24‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ال ��روح ��ي ال ��داف ��ع ل �ه��ا ورك� ��دت احلضارة‬ ‫اإلسالمية عصراً بعد عصر الفتقاد القوة‬ ‫اخلالقة املبدعة, لم يكن لدي أوه��ام عن‬ ‫احلالة املعاصرة للعالم اإلس��الم��ي, بينت‬ ‫األعوام األربعة التي قضيتها في مجتمعات‬ ‫إسالمية أن اإلسالم مازال حياً وأن األمة‬ ‫اإلسالمية متمسكة به بقبول صامت ملنهجه‬ ‫وتعاليمه إال أن املسلمني كانوا مشلولني‬ ‫غير قادرين على حتويل إميانهم إلى أفعال‬ ‫مثمرة, إال أن ما شغلني أكثر من إخفاق‬ ‫امل�س�ل�م��ني امل �ع��اص��ري��ن ف��ي حت�ق�ي��ق منهج‬ ‫اإلس��الم اإلمكانيات املتضمنة في املنهج‬ ‫ذاته, كان يكفيني أن أعرف أنه خالل مدى‬ ‫زمني قصير.. كانت هناك محاولة ناجحة‬ ‫لتطبيق هذا املنهج, وما أمكن حتقيقه في‬ ‫وقت ما ميكن حتقيقه الحقا, ما كان يهمني‬
‫34‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫–كما فكرت في داخلي– أن املسلمني شردوا‬ ‫عن التعليمات األصلية للدين...‬ ‫ما الذي حدث وجعلهم يبتعدون عن املثاليات‬ ‫التي علمهم إياها ال��رس��ول # منذ ثالثة‬ ‫عشر قرنا مضت ما دامت تلك التعليمات‬ ‫ال تزال متاحة لهم إن أرادوا االستماع إلى‬ ‫ما حتمله من رسالة سامية ؟ بدا لي كلما‬ ‫فكرت أننا نحن في عصرنا احلالي نحتاج‬ ‫إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر من هؤالء الذين‬ ‫عاشوا في عصر محمد #, لقد عاشوا‬ ‫في بيئات وظروف أبسط كثيرا مما نعيش‬ ‫ً‬ ‫فيه اآلن, ولذلك كانت مشكالتهم أقل بكثير‬ ‫من مشكالتنا...العالم الذي كنت أحيا فيه‬ ‫–كله– ك��ان يتخبط لغياب أي رؤي��ة عامة‬ ‫ملا هو خير وما هو ش��ر.... لقد أحسست‬ ‫بيقني ت��ام.. أن مجتمعنا املعاصر يحتاج‬
‫44‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫إلى أسس فكرية عقائدية توفر شكال من‬ ‫ً‬ ‫أشكال التعاقد بني أفراده, وأنه يحتاج إلى‬ ‫إميان يجعله يدرك خواء التقدم املادي من‬ ‫أجل التقدم ذاته, وفي الوقت نفسه يعطي‬ ‫للحياة نصيبها, إن ذلك سيدلنا ويرشدنا‬ ‫إلى كيفية حتقيق التوازن بني احتياجاتنا‬ ‫الروحية والبدنية, وأن ذلك سينقذنا من‬ ‫كارثة محققة نتجه إليها بأقصى سرعة...‬ ‫ف��ي تلك الفترة م��ن حياتي شغلت فكري‬ ‫مشكلة اإلسالم كما لم يشغل ذهني شيء‬ ‫آخر من قبل, قد جتاوزت مرحلة االستغراق‬ ‫الفكري و...االهتمام العقلي بدين وثقافة‬ ‫غ��ري�ب��ني, لقد حت��ول اهتمامي إل��ى بحث‬ ‫محموم عن احلقيقة: 083-683).‬ ‫لقد صار في إمكانه أن مييز بني ما هو من‬ ‫اإلس��الم وما هو غريب عنه في تصورات‬
‫54‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫امل�س�ل�م��ني وس �ل��وك �ه��م, ف��ي رح �ل �ت��ه األولى‬ ‫رأى حلقة ذكر يقيمها الصوفية في أحد‬ ‫مساجد «سكوتاري» في تركيا وصفها بهذه‬ ‫العبارات (كانوا يقفون في محيط واحد‬ ‫فاستداروا في نصف دروة ليقابل كل واحد‬ ‫منهم اآلخر أزواجا, كانوا يعقدون أذرعهم‬ ‫على ص��دوره��م وينحنون انحناءة شديدة‬ ‫وه ��م ي �س �ت��دي��رون ب �ج��ذوع �ه��م ف��ي نصف‬ ‫دائرة.. في اللحظة التالية {كانوا} يقذفون‬ ‫أذرعهم في االجتاه املعاكس الكف اليمنى‬ ‫ترتفع والكف اليسرى تنزل إلى اجلانب,‬ ‫وتخرج من حلوقهم مع كل نصف انحناءه‬ ‫واستدارة أصوات مثل غناء هامس «هو» ثم‬ ‫يطوحون رؤوسهم للخلف مغمضني أعينهم‬ ‫ويجتاح مالمحهم تقلص ناعم, ثم تتصاعد‬ ‫وتتسارع إيقاعات احلركة وترتفع اجلالليب‬
‫64‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫لتكون دائ��رة متسعة حول كل دروي��ش مثل‬ ‫دوام � ��ات ال �ب �ح��ار.. حت��ول��ت ال ��دائ ��رة إلى‬ ‫دوام���ات, اجتاحهم االن�ه�م��اك, وشفاههم‬ ‫تكرر بال نهاية «هو, هو» : 152).‬ ‫وفي الرحلة الثانية يتذكر حلقة الذكر هذه‬ ‫ويعلق عليها (اتضحت في ذهني معان لم‬ ‫تبد لي عندما شاهدت حلقة الذكر {في‬ ‫سكوتاري}, كان ذلك الطقس الديني لتلك‬ ‫اجلماعة –وهي واحدة من جماعات كثيرة‬ ‫شاهدتها في مختلف البالد اإلسالمية– ال‬ ‫يتفق مع صورة اإلس��الم التي كانت تتبلور‬ ‫ف��ي ذه �ن��ي.. تبني ل��ي أن تلك املمارسات‬ ‫والطقوس دخيلة على اإلس��الم من جهات‬ ‫ومصادر غير إسالمية, لقد شابت تأمالت‬ ‫املتصوفة وأفكارهم أفكار روحية هندية‬ ‫ومسيحية, مم��ا أض�ف��ى على بعض ذلك‬
‫74‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫التصوف مفاهيم غريبة عن الرسالة التي‬ ‫جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم, أكدت‬ ‫رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن السببية‬ ‫العقلية هي السبيل لإلميان الصحيح بينما‬ ‫تبتعد التأمالت الصوفية وما يترتب عليها‬ ‫{من سلوك} عن ذلك املضمون, واإلسالم‬ ‫قبل أي ش��يء مفهوم عقالني ال عاطفي‬ ‫وال انفعالي, االنفعاالت مهما تكن جياشة‬ ‫م�ع��رض��ة ل��الخ �ت��الف وال �ت �ب��اي��ن باختالف‬ ‫رغ�ب��ات األف ��راد وتباين مخاوفهم بعكس‬ ‫السببية العقلية, كما أن االنفعالية غير‬ ‫معصومة بأي حال : 352).‬ ‫ط��ول العامني اللذين قضاهما في رحلته‬ ‫الثانية ف��ي ال�ع��ال��م اإلس��الم��ي ك��ان بعقله‬ ‫ومعلوماته يتقدم بسرعة في الطريق إلى‬ ‫اإلسالم, لقد وعى ذلك وهو يعدو بجواده‬
‫84‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫فوق جبال إيرانية مغطاة بالثلج األبيض (‬ ‫بدا العالم كله مبسوطا أمامي في رحابة‬ ‫ال تنتهي بدا شفافا في عيني كما لم يبد‬ ‫م��ن ق �ب��ل, رأي ��ت من�ط��ه ال��داخ �ل��ي اخلفي,‬ ‫وأحسست بنبضه الدفني في تلك األصقاع‬ ‫البيضاء اخلالية, واندهشت من خفاء ذلك‬ ‫علي منذ دقيقة م�ض��ت, وأي�ق�ن��ت أن كل‬ ‫األسئلة التي تبدو بال إجابة ماثلة أمامنا‬ ‫في انتظار أن ندركها, بينما نحن –احلمقى‬ ‫املساكني– نطرح األسئلة وننتظر أن تفتح‬ ‫األسرار اإللهية نفسها لنا بينما تنتظر تلك‬ ‫األسرار أن نفتح نحن أنفسنا لها, مر أكثر‬ ‫من عام بني انطالقي املجنون على جوادي‬ ‫فوق اجلليد والبرد قبل أن اعتنق اإلسالم,‬ ‫ولكن حتى في ذل��ك الوقت قبل إسالمي‬ ‫كنت أنطلق –دون أن أعي ذلك– في خط‬
‫94‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫مستقيم كمسار السهم املنطلق باجتاه مكة‬ ‫املكرمة: 472-572).‬ ‫(كنت في طريقي من مدينة هراة... توجهنا‬ ‫إل ��ى ق��ري��ة ده زاجن� ��ي, جلسنا ف��ي اليوم‬ ‫التالي حول غ��داء واف��ر كاملعتاد {في بيت‬ ‫احلاكم} وبعد الغداء قام رجل من القرية‬ ‫َّ‬ ‫بالترفيه ع �ن��ا... غ�ن��ى على م��ا أذك��ر عن‬ ‫معركة داوود وجالوت, عن اإلميان عندما‬ ‫يواجه قوة غاشمة... علق احلاكم في نهاية‬ ‫األغنية قائال: «ك��ان داوود صغيراً إال أن‬ ‫ً‬ ‫إميانه كان كبيرا فلم أمتالك نفسي وقلت‬ ‫ً‬ ‫باندفاع: «وأن�ت��م كثيرون وإميانكم قليل»,‬ ‫نظر إل��ي مضيفي مندهشاً فخجلت مما‬ ‫ق�ل��ت م��ن دون أن أمت��ال��ك نفسي وبدأت‬ ‫بسرعة في توضيح ما قلت واتخذ تفسيري‬ ‫شكل أسئلة متعاقبة كسيل ج��ارف, قلت‬
‫05‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫«كيف حدث أنكم معشر املسلمني فقدمت‬ ‫الثقة بأنفسكم تلك الثقة التي مكنتكم من‬ ‫نشر عقيدتكم في أقل من مائة عام حتى‬ ‫احمليط األطلسي.. وحتى أعماق الصني,‬ ‫واآلن تستسلمون ب�س�ه��ول��ة وض �ع��ف إلى‬ ‫أفكار الغرب وعاداته؟ ملاذا ال تستجمعون‬ ‫قوتكم وشجاعتكم الستعادة إميانكم الفعلي‬ ‫كيف يصبح أت��ات��ورك ذل��ك املتنكر التافه‬ ‫الذي ينكر كل قيمة لإلسالم, رمزاً لكم في‬ ‫اإلحياء والنهوض واإلصالح؟».‬ ‫ظ��ل مضيفي ص��ام�ت�ا.. ك��ان الثلج ق��د بدأ‬ ‫ً‬ ‫في التساقط خارجاً, وشعرت مرة أخرى‬ ‫مبوجة من األسى مختلطة مع تلك السعادة‬ ‫الداخلية التي شعرت بها ونحن نقترب من‬ ‫ده زاجن��ي أحسست بالعظمة التي كانت‬ ‫عليها تلك األم ��ة, وب��اخل��زي ال��ذي يغلف‬
‫15‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ورثتها املعاصرين.‬ ‫أردف��ت مكمال أسئلتي «ق��ل لي كيف دفن‬ ‫علماؤكم اإلميان الذي أتى به نبيكم بصفائه‬ ‫ونقائه؟ كيف حدث أن نبالءكم وكبار مالك‬ ‫أراضيكم يغرقون في امللذات بينما يغرق‬ ‫أغلب املسلمني في الفقر.. مع أن نبيكم‬ ‫علمكم أنه ال يؤمن أحدكم أن يشبع وجاره‬ ‫جائع؟ هل ميكن أن تفسر لي كيف دفعتم‬ ‫النساء إلى هامش احلياة مع أن النساء في‬ ‫حياة ال��رس��ول # والصحابة ساهمن في‬ ‫ش��ؤون حياة أزواج �ه��ن؟», ك��ان مضيفي ما‬ ‫زال يحملق في دون كلمة, وبدأت أعتقد أن‬ ‫َّ‬ ‫انفجاري رمبا سبب له ضيقاً, في النهاية‬ ‫جذب احلاكم ثوبه األصفر الواسع وأحكمه‬ ‫حول جسمه.. ثم همس «ولكن أنت مسلم»‬ ‫ضحكت وأجبته «كال لست مسلماً ولكني‬
‫25‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫رأيت اجلوانب العظيمة في رسالة اإلسالم‬ ‫مم��ا يجعلني أش�ع��ر بالغضب وأن ��ا أراكم‬ ‫تضيعونه, سامحني إن حتدثت بحدة, أنا‬ ‫لست ع��دواً على أي حال» إال أن مضيفي‬ ‫َّ‬ ‫هز رأسه قائالً: كال أنت كما قلت لك مسلم‬ ‫إال أنك ال تعلم ذلك, ملاذا ال تعلن اآلن هنا:‬ ‫أشهد أن ال إله إال الله وأن محمداً رسول‬ ‫ال�ل��ه, وتصبح مسلماً بالفعل ب��دالً م��ن أن‬ ‫تكون مسلماً بقلبك فقط «قلت له» لو قلتها‬ ‫في أي وقت فسأقولها عندما يستقر فكري‬ ‫عليها ويستريح لها «استمر إصرار احلاكم:‬ ‫ولكنك تعرف عن اإلسالم أكثر مما يعرفه‬ ‫أي واحد منا, ما الذي لم تعرفه أو تفهمه‬ ‫بعد؟» قلت له «األمر ليس مسألة فهم بل‬ ‫أن أكون مقتنعاً, أن أقتنع أن القرآن الكرمي‬ ‫هو كلمة الله, وليس ابتداعا ذكيا لعقلية‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫35‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫بشرية عظيمة» ولم مت �ح كلمات صديقي‬ ‫ُْ َ‬ ‫األفغاني من ذهني على مدى شهور طويلة:‬ ‫573–673).‬

‫45‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫5-‬‫ب�ع��د ش�ه��ور م��ن ه��ذه احل��ادث��ة ك��ان ينطق‬ ‫بالشهادة أم��ام رئيس رابطة املسلمني في‬ ‫برلني, كان قد رجع إلى أوروب��ا من رحلته‬ ‫الثانية التي استغرقت عامني من التجوال‬ ‫في العالم اإلسالمي فعرف أن اسمه أصبح‬ ‫من األسماء املعروفة.. وأنه أصبح واحداً‬ ‫من أشهر مراسلي الصحف وسط أوروبا,‬ ‫بعض م�ق��االت��ه لقيت م��ا ي�ف��وق االعتراف‬ ‫ب��أه�م�ي�ت�ه��ا, وت �ل �ق��ى دع���وة إلل �ق��اء سلسلة‬ ‫م��ن احمل��اض��رات ف��ي أك��ادمي�ي��ة اجلغرافيا‬ ‫السياسية في برلني, ولم يحدث كما قيل له‬ ‫أن رجالً في مثل سنه (السادسة والعشرين)‬ ‫قد حقق ذلك التميز, وأعيد نشر مقاالته‬ ‫األخ��رى في صحف كثيرة حتى أن واحدة‬
‫55‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫من تلك املقاالت نشرت في ثالثني مطبوعة‬ ‫مختلفة.‬ ‫ول �ك��ن ب �ع��د ع��ودت��ه وات �ص��ال��ه م��ن جديد‬ ‫ب��أص��دق��اء ال �ف �ك��ر وال �ث �ق��اف��ة ف��ي برلني,‬ ‫ومناقشته معهم قضية اإلسالم أحس أنه‬ ‫ّ‬ ‫وإياهم لم يعودوا يتحدثون من املنطلقات‬ ‫الفكرية نفسها, شعر بأن من يرون منهم أن‬ ‫األديان القدمية أصبحت شيئاً من املاضي‬ ‫وهم األغلبية ومن كانوا ال يرفضون األديان‬ ‫رفضاً كلياً, كانوا كلهم مييلون بال سبب‬ ‫إلى تبني املفهوم الغربي الشائع الذي يرى‬ ‫أن اإلسالم يهتم بالشئون الدينية وتنقصه‬ ‫الروحانيات التي يتوقع املرء أن يجدها في‬ ‫أي دين (ما أدهشني بالفعل أن أكتشف أن‬ ‫ذل��ك اجل��ان��ب م��ن اإلس��الم ه��و م��ا جذبني‬ ‫إليه من أول حلظة وهو عدم الفصل بني‬
‫65‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫ال��وج��ود امل��ادي وال��وج��ود ال��روح��ي للبشر,‬ ‫وتأكيد السببية العقلية سبيالً لإلميان,‬ ‫وهو اجلانب ذاته الذي يعترض عليه مفكرو‬ ‫أوروبا, الذين يتبنون السببية العقلية منهجا‬ ‫للحياة, واليتخلون عن ذلك املنهج العقالني‬ ‫إال عندما يرد ذكر اإلسالم, لم أجد أي فرق‬ ‫بني األقلية املهتمة باألديان واألغلبية التي‬ ‫ترى أن الدين أصبح من املفاهيم البالية‬ ‫التي عفا عليها الزمن, أدرك��ت مع الوقت‬ ‫مكمن اخلطأ في منهج كل منهما, أدركت‬ ‫أن مفاهيم من تربوا في أحضان األفكار‬ ‫املسيحية في أوروبا... تبنوا مفهوما يسود‬ ‫بينهم جميعاً, فمع طول تعود أوروب��ا نسق‬ ‫التفكير املسيحي تعلم حتى الالدينيني أن‬ ‫ينظروا إلى أي دين آخر من خالل عدسات‬ ‫مسيحية فيرون أي فكر ديني صاحلاً ألن‬
‫75‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫يكون ديناً إذا غلفته مسحة غامضة خارقة‬ ‫للطبيعة ت�ب��دو خافية وف ��وق ق ��درة العقل‬ ‫البشري على استيعابها, ومن منظورهم لم‬ ‫يف اإلس��الم بتلك املتطلبات.. كنت أوقن‬ ‫بأني في طريقي إلى اإلسالم, وجعلني تردد‬ ‫اللحظة األخيرة أؤجل اخلطوة النهائية التي‬ ‫ال مفر منها, كانت فكرة اعتناق اإلسالم‬ ‫متثل لي عبور قنطرة فوق هاوية تفصل بني‬ ‫عاملني مختلفني متاماً, قنطرة طويلة حتى إن‬ ‫املرء عليه أن يصل إلى نقطة الالعودة أوالً‬ ‫قبل أن يتبني الطرف اآلخر للقنطرة, كنت‬ ‫أع��ي أن��ي ل��و اعتنقت اإلس��الم الضطررت‬ ‫إلى خلع نفسي نهائياً من العالم الذي ولدت‬ ‫ون�ش��أت فيه, ل��م تكن هناك حلول أخرى,‬ ‫فلم يكن ممكنا الم��رئ مثلي أن يتبع دعوة‬ ‫محمد # ويظل بعدها محتفظا بروابطه مع‬ ‫ً‬
‫85‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫مجتمع يتصف بثنائية املفاهيم املتعارضة‬ ‫واملتناقضة, كان سؤالي األخير الذي كنت‬ ‫متردداً أمامه هو: هل اإلس��الم رسالة من‬ ‫عند الله أم أنه حصيلة حكمة رجل عظيم؟:‬ ‫782-982).‬ ‫ولم ميكث غير بعيد حتى جاءت اإلجابة,‬ ‫لقد اتصل من جديد بحياة الغرب مباشرة,‬ ‫ورأى مبلغ التعاسة والشقاء ال��ذي يعانيه‬ ‫الغربيون ولكنهم ال يَعونَه أو ال يعون سببه,‬ ‫ُْ ُ‬ ‫كان في القطار مع زوجته, وشغل نفسه‬ ‫بالتطلع إل��ى وج��وه ال�ن��اس (ب ��دأت أتطلع‬ ‫حولي إل��ى ال��وج��وه.. كانت جميعاً وجوها‬ ‫تنتمي إلى طبقة تنعم بلبس ومأكل جيدين‬ ‫ولكنها كانت تشي بتعاسة داخلية عميقة‬ ‫ومعاناة واضحة على املالمح, تعاسة عميقة‬ ‫حتى أن أصحابها لم يدركوا ذل��ك.. كنت‬
‫95‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫أوقن بأنهم غير واعني وإال ملا استمروا في‬ ‫إهدار حياتهم على هذا املنوال من دون أي‬ ‫متاسك داخلي ومن دون أي هدف أسمى‬ ‫من مجرد حتسني معيشتهم ومن دون أمل‬ ‫يزيد على االستحواذ املادي الذي من املمكن‬ ‫أن يحقق لهم مزيدا من السيطرة:092).‬ ‫ً‬ ‫جاءت اإلجابة حني قرأ القرآن فور عودته‬ ‫إلى بيته –وكانت تلك التجربة التي مر بها‬ ‫في القطار ال تزال حية في تفكيره-.‬ ‫(وق��ف��ت حل �ظ��ات م �ش��دوه��ا وأن� ��ا أحبس‬ ‫أنفاسي, وأحسست أن يدي ترجتفان...‬ ‫لقد ك��ان ال�ق��رآن يتضمن اإلج��اب��ة, إجابةً‬ ‫حاسمةً قضت على شكوكي كلها وأطاحت‬ ‫بها بال رجعة, أيقنت يقيناً تاماً أن القرآن..‬ ‫من عند الله : 192).‬
‫06‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫6-‬‫ب�ع��د إس��الم��ه ب�س��ت س �ن��وات ك�ت��ب مؤلفه‬ ‫(اإلس ��الم على مفترق ال �ط��رق) وق��ال في‬ ‫مقدمته: (هذا السؤال يلقى علَي مرة بعد‬ ‫َ َّ‬ ‫مرة, ملاذا اعتنقت اإلسالم؟ وما الذي جذبك‬ ‫منه خاصة؟ يجب أن اعترف بأني ال أعرف‬ ‫جوابا شافيا, لم يكن الذي جذبني تعليما‬ ‫ً‬ ‫خاصاً من تعاليمه, بل ذلك البناء املجموع‬ ‫العجيب, املتراص مبا ال تستطيع له تفسيراً‬ ‫من تلك التعاليم األخالقية باإلضافة إلى‬ ‫منهاج احلياة العملية, وال أستطيع اليوم أن‬ ‫أقول أي النواحي استهوتني أكثر من غيرها,‬ ‫لقد ب��دا لي اإلس��الم مثل تكوين هندسي‬ ‫محكم البناء, كل أجزائه قد صممت ليكمل‬ ‫بعضها البعض, وليدعم بعضها بعضا, ليس‬
‫16‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫فيها شيء زائد عن احلاجة, وليس فيها ما‬ ‫ينقص عنها, وناجت ذلك كله توازن مطلق,‬ ‫وبناء محكم رمبا كان شعوري بأن كل ما في‬ ‫اإلسالم من تعاليم وضع موضعه الصحيح‬ ‫هو ما كان له أعظم األثر علي.‬ ‫لقد سعيت بجد أن أتعلم عن اإلسالم كل ما‬ ‫أستطيع أن أتعلمه, درست القرآن وأحاديث‬ ‫ال�ن�ب��ي # درس ��ت ل�غ��ة اإلس� ��الم وتاريخه‬ ‫وقدراً كبيراً مما كتب عن اإلسالم وما كتب‬ ‫ضده, وأقمت ست سنوات تقريباً في جند‬ ‫واحلجاز معظمها في مكة واملدينة بغرض‬ ‫أن أتصل مباشرة ببيئة اإلسالم األصلية,‬ ‫ومبا أن املدينتني مكان اجتماع املسلمني من‬ ‫مختلف األقطار فقد متكنت من االطالع‬ ‫على مختلف اآلراء االجتماعية والدينية‬ ‫السائدة حاليا في العالم اإلسالمي.‬ ‫ً‬
‫26‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫وكل هذه الدراسات واملقارنات خلقت لدي‬ ‫اعتقاداً راسخاً أن اإلسالم كظاهرة روحية‬ ‫واجتماعية ال يزال أقوى قوة دافعة عرفها‬ ‫البشر رغم كل مظاهر التخلف التي خلفها‬ ‫ابتعاد املسلمني عن اإلسالم. (اإلسالم على‬ ‫مفترق الطرق, ط 2891 م ص 11, 21)‬ ‫وكتب في خامتة املؤلف نفسه ما يأتي:‬ ‫ما هي مشكلة اإلسالم (اليوم)؟ هل هي في‬ ‫احلقيقة ما يريد منا أعداؤنا واالنهزاميون‬ ‫بيننا أن نصدقه: أن قوته قد استنفدت؟‬ ‫هل انقضى زمن فائدته؟ وهل أعطى العالم‬ ‫كل ما ميكن أن يعطيه؟ إذا كنا نؤمن بأن‬ ‫اإلس��الم ليس مجرد ثقافة ب��ني ع��دد من‬ ‫ال�ث�ق��اف��ات, ول�ي��س م�ج��رد فكر ب�ش��ري بني‬ ‫عدد من األفكار.‬ ‫بل هو قوة منتجة للثقافة, شرع أنزله الله‬
‫36‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫تعالى لتتبعه البشرية في كل زمان وفي كل‬ ‫مكان, فإن وجهة النظر إليه تتغير متاماً.‬ ‫وإذا كان منهاج اإلسالم إمنا هو نتيجة التباع‬ ‫شريعة الوحي, فإننا ال ميكن أن نقرر –كما‬ ‫في الثقافات البشرية– أن��ه مقيد مبرور‬ ‫زمن معني أو محدد بفترة معينة.‬ ‫وما يظهر من ضعف في اإلسالم ليس إال‬ ‫موتاً وفراغاً في قلوبنا التي صارت غافلة‬ ‫والهية إلى درجة أعجزتنا عن سماع صوت‬ ‫(احلق) اخلالد... وال تظهر إشارة إلى أن‬ ‫البشرية في حالتها احلاضرة قد جتاوزت‬ ‫اإلسالم, فلم تتمكن من إنتاج نظام أخالقي‬ ‫خير مما تضمنه اإلس��الم, ولم تتمكن من‬ ‫وض��ع فكرة األخ��وة البشرية على أساس‬ ‫عملي كما فعل اإلسالم في معنى األمة, ولم‬ ‫تتمكن من إيجاد بنية اجتماعية تتناقص‬
‫46‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫فيها اخلالفات واخلصومات بني أعضائها‬ ‫إلى احلد األدن��ى كما في شريعة اإلسالم‬ ‫في تنظيمها املجتمع, ولم تتمكن من إعالء‬ ‫ك��رام��ة اإلن �س��ان وش �ع��وره ب��األم��ن ورجائه‬ ‫األخروي –وأخيراً وليس آخراً– سعادته.‬ ‫في كل هذه األشياء فإن اإلجنازات احلديثة‬ ‫للبشرية تقصر بوضوح عما حققه اإلسالم‬ ‫فأين املسوغ –إذاً– ملقولة: إن اإلسالم قد‬ ‫انتهى زمنه؟‬ ‫ل��دي�ن��ا ك��ل األس��ب��اب لنعتقد أن اإلسالم‬ ‫ق��د دل ��ت ع�ل�ي��ه ك��ل اإلجن� � ��ازات البشرية‬ ‫الصحيحة, ألنه قررها وأشار إلى صحتها‬ ‫قبل حتقيقها بزمن طويل. ومساوياً لذلك‬ ‫فقد دلت عليه أيضاً النواقص واألخطاء‬ ‫والعقبات التي صاحبت التطور البشري,‬ ‫ألنه حذر منها بقوة ووضوح قبل أن يتبني‬
‫56‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫البشر هذه األخطاء بزمن طويل.‬ ‫ول��و صرفنا النظر ع��ن االع�ت�ق��اد الديني‬ ‫للفرد فإن في وجهة النظر الفكرية حافزاً‬ ‫التباع هداية اإلسالم العملية بكل ثقة.‬ ‫ولو نظرنا إلى ثقافتنا وحضارتنا من وجهة‬ ‫النظر ه��ذه فإننا ب��ال�ض��رورة سنصل إلى‬ ‫نتيجة تؤكد أن النهضة ممكنة.‬ ‫ونحن في غير حاجة إلى إصالح اإلسالم‬ ‫–كما يظن بعض املسلمني– ألن الله أكمله لنا‬ ‫من قبل, وما نحن في حاجة إلى إصالحه,‬ ‫إمنا هو موقفنا من الدين, والتخلص من‬ ‫كسلنا وغرورنا وقصر نظرنا, باختصار:‬ ‫خللنا ال خلل اإلسالم كما قد يظن.‬ ‫ولكي نحقق الرجوع إلى أصل اإلسالم نحن‬ ‫في غير حاجة إلى البحث عن مبادئ جديدة‬ ‫للقيادة من اخلارج... نحن بال شك ميكننا أن‬
‫66‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫نتلقى حوافز جديدة من الثقافات األجنبية‬ ‫ولكن ال ميكننا أن نبدل شريعة اإلسالم‬ ‫الكاملة بأي شيء من غيرها, سواء جاء‬ ‫من الغرب أو من الشرق, فاإلسالم بصفته‬ ‫ديناً ونظاماً اجتماعياً ال ميكن أن يدخل‬ ‫عليه أي حتسني أو تعديل.‬ ‫وفي هذه األحوال فإن أي تغيير فيه بسبب‬ ‫تدخل التأثيرات الثقافية األجنبية إمنا هو‬ ‫في احلقيقة تخلف وهدم, وعلى ذلك فمآله‬ ‫الندم العميق.‬ ‫التغيير ال ب��د منه, ولكنه ال ب��د أن يكون‬ ‫تغييراً ملا بأنفسنا, وأن يكون في اجتاه‬ ‫اإلسالم ال بُعداً عنه.‬ ‫إن الطريق مفتوح للتجديد وهذا الطريق‬ ‫واضح جداً لكل من له عينان يرى بهما.‬ ‫خطوتنا االأوىل: أن نتجنب بدعة االعتذار‬
‫76‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫لإلسالم التي هي اس��م آخ��ر لالنهزامية,‬ ‫مجرد غطاء لعدم ثقتنا به.‬ ‫واملرحلة الثانية: ال بد أن يكون اتباعنا‬ ‫الواعي احلازم لسنة النبي #, إذ أن السنة‬ ‫ما هي إال تعاليم اإلس��الم مترجمة عمليا‬ ‫ً‬ ‫–ال أكثر وال أقل– وبتنفيذها –بصفتها‬ ‫املعيار األكمل– في متطلبات احلياة اليومية‬ ‫سنتمكن بسهولة من التمييز بني أي حوافز‬ ‫احلضارة الغربية ميكن قبوله وأيها يجب‬ ‫رفضه.‬ ‫وب��دال من إخضاع اإلس��الم لنماذج فكرية‬ ‫ً‬ ‫أجنبية ال بد أن نتعلم مرة أخرى النظر إلى‬ ‫اإلس��الم على أنه النموذج ال��ذي يحكم به‬ ‫على العالم.‬ ‫إن حصيلة ه ��ذا اجل �ه��د مي�ك��ن أن تكون‬ ‫انبعاث فقه جديد, مطابق متاما للقرآن‬ ‫ً‬
‫86‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫وسنة الرسول # وسيرته.‬ ‫وفي الوقت نفسه يواجه متطلبات العصر,‬ ‫كما واجه الفقه القدمي متطلبات عصره.‬ ‫لن نتقدم مرة أخرى إال إذا استعدنا ثقتنا‬ ‫بأنفسنا.‬ ‫ولن نصل إلى هذا الهدف بتدمير نظمنا‬ ‫االجتماعية وتقليد حضارة أجنبية, أجنبية‬ ‫ع��ن ديننا ول�ي��س ع��ن محيطنا التاريخي‬ ‫واجلغرافي فحسب.‬ ‫وق��د بني الله لنا الطريق في كتابه املبني‬ ‫ُ ِ ِ‬ ‫ُ‬ ‫{لَ َقد َك��ان لَكم ِفي َرس��ول ال َ مّله ُأس��و ٌة حس َن ٌة مِّ َل��ن َك��ان يَرجو‬ ‫َ ُْ‬ ‫َْ َ َ‬ ‫ْ َ ْ‬ ‫ْ ِ‬ ‫ال َ مّل َه َوال ْ َيو َم الخ َر َو َذ َك َر ال َ مّل َه َك ِثيرا} (12) سورة األحزاب‬ ‫ً‬ ‫ْ‬

‫96‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫07‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫17‬

‫حممد اأ�صد يف الطريق اإىل مكة‬

‫27‬…...

Similar Documents

Free Essay

Bismarck Biographies

...Bismarck’s  Biographies:    Read  and  compare  at  least  two  book-­‐‑length  biographies  of  the   German   chancellor   O?o   von   Bismarck   –   how   do   the  author’s   sources,   interpretations   and   perspectives   differ?   Think   about   the   author’s   presuppositions,   the   reason   the   books   were   wri?en   and   the  audiences   for   which   they  were  intended.   What   treatment   seems  most  persuasive? Introduction Biographies  of  O.o  von  Bismarck,   one  of  the  most  significant  figure  in  modern  European   history,   proliferated   in   the  twentieth   century.   As   the  the  prominent   German   statesman   remained   an   extremely  controversial  figure  long  after  his  passing,  Bismarck’s  biographies   differ   widely   in  their  descriptions  and   interpretations.   For  the  purpose  of  this  essay,   two   notable  works   are  selected   as   primary   sources:   The  first   book   Bismarck   and   the   German   Empire  was  wri.en  by  Erich  Eyck,  and  the  second  one,  simply  titled  Bismarck,  was  penned   by   Werner   Richter.   In   the   following,   I  am   going   to   identify   similarities  and   differences   between  two  biographies  of  Bismarck  and  explain  possible  reasons  for  these. Authors’  Backgrounds In   order   to   understand   and   analyze   the   authors’   perspectives,   some   pieces   of   basic   information   about   the  authors  themselves  need...

Words: 2314 - Pages: 10

Free Essay

Ishikawa Biography

...Dr. Kaoru Ishikawa’s Biography 11/12/12 Dr. Kaoru Ishikawa’s Biography Dr. Kaoru Ishikawa was born on July 13, 1915 in Tokyo. He attended the University of Tokyo and graduated in 1939 with a doctorate of philosophy in chemical engineering. The University of Tokyo is considered the most prestigious university in Japan and ranks as the highest in Asia and 21st in the world in 2011 according to Academic Ranking of World Universities. Throughout this biography I will be discussing many of the innovations and contributions including the Quality Circles, the Fishbone Cause and Effect Diagram, and user-friendly quality control created by Dr. Kaoru Ishikawa. “He was instrumental in the development of the broad outlines of Japanese quality strategy, and without his leadership, the Japanese quality movement would not enjoy the worldwide acclaim and success that it has today.” (Evans 110)(1) His first job was in the military as a naval technical officer until 1941 then he began working for the Nissan Liquid Fuel Company from 1941 to 1947. In 1947 he began his career as an associate professor at the University of Tokyo, the same university he graduated from. While teaching at the University of Tokyo he joined the Japanese Union of Scientists and Engineers’ (JUSE) quality control research group. Dr. Ishikawa translated, integrated and expanded on the management concepts of W. Edwards Deming and Joseph M. Juran into the Japanese system. Without him, Dr.......

Words: 737 - Pages: 3

Premium Essay

Petrarch Biography

...Chaeronea Greece, a small village during the early Roman Empire. Plutarch received his education from the Academy of Athens, studying philosophy, rhetoric, physics, and mathematics. His professor was the philosopher Ammonius. Upon completion of studies at the Academy, Plutarch became active in politics, serving as the chief magistrate for Chaeronea. Plutarch is best known for his biographical writings about famous Greek and Roman figures. Most of what is known about Plutarch is reconstructed from his personal references in his written work. His writings are encompassed in 227 known works, with a series of 60 essays written in dialogues. His dialogues focused on ethics, religion, and the politics of Greek society. Most of his biographies highlighted common virtues and vices of their behavior rather than on the history of the times they lived. As a philosopher, Plutarch’s notoriety lies within his expanding upon Plato’s philosophies “to create a coherent and credible philosophical system” (Stanford.edu) from them. Plutarch supposed that the world was created from a dualism of both a god, which is a rational soul, and from disorder, the non-rational soul. Through god the disorder of matter becomes organized and the perfect form can exist (the study of metaphysics). The recognition of the duality from god and disorder allowed Plutarch to recognize that there can be evil in the world. Further, the human soul has both a rational and non-rational facets, and......

Words: 295 - Pages: 2

Free Essay

Biography

...Rosa Parks Biography * Occupation: Civil Rights Activist * Born: February 4, 1913 in Tuskegee, Alabama * Died: October 24, 2005 in Detroit, Michigan * Best known for: Montgomery Bus Boycott Biography: Where did Rosa Parks grow up? Rosa grew up in the southern United States in Alabama. Her full name was Rosa Louise McCauley and she was born in Tuskegee, Alabama on February 4, 1913 to Leona and James McCauley. Her mother was a teacher and her father a carpenter. She had a younger brother named Sylvester. Her parents separated while she was still young and she, with her mother and brother, went to live on her grandparent's farm in the nearby town of Pine Level. Rosa went to the local school for African-American children where her mother was a teacher. Going to School Rosa's mother wanted her to get a high school education, but this wasn't easy for an African-American girl living in Alabama in the 1920s. After finishing up elementary school at Pine Level she attended the Montgomery Industrial School for Girls. Then she attended the Alabama State Teacher's College in order to try and get her high school diploma. Unfortunately, Rosa's education was cut short when her mother became very ill. Rosa left school to care for her mother. A few years later Rosa met Raymond Parks. Raymond was a successful barber who worked in Montgomery. They married a year later in 1932. Rosa worked part time jobs and went back to school, finally earning her......

Words: 929 - Pages: 4

Premium Essay

Biography

...Miguel Cavazos For DECISION ANALYSIS BUSI 3343-02 On W.EDWARDS DEMING Professor Manuel Alcocer Table of Contents 1. Brief biography 2. Deming System 3. Conclusion Appendices 1. References Biography Deming was a well known professor who taught at New York University Graduate school of Business and Administration and at Columbia University. One of Deming’s ideas on quality control was prominent in Japan. Deming philosophy and teaching where shown by examining the kind of results of how much was produced after it was adopted by any other industry. This was known as the Deming System which is a very effective method. Ford Motor Company adopted Deming's idea which was called quality / culture". Deming's famous Management-Program consists of 14 points for improvement and 7 of things to be avoided. Most of these points are trivial. Deming created this idea quality / culture in 1930. This helped the Ford Motor Company because it was making a car model with transmission made in U.S. and Japan. Customers wanted U.S cars with japans transmission but the parts were not compatible until they went ahead and changed every part. Deming System The idea of W. Edwards Deming may be common now but they’ve become combined in our culture of work. The idea of hard work, sincerity, decency, and personal responsibility, has change the way our management was. “It’s not enough to just do your best at work; you must know what you should work on.” The simple......

Words: 339 - Pages: 2

Free Essay

Biography

...What is a biography? A biography is a written account of the series of events that make up a person's life. Every student will write a biography at some point, but the level of detail and sophistication will differ. A fourth grade biography will be much different from a middle school-level biography or a high school or college-level biography. However, each biography will include the basic details. The first information you should gather in your research will include biographical details and facts. You must use a trustworthy resource to ensure that your information is accurate. Basic details include: * Date and place of birth and death * Family information * Lifetime accomplishments * Major events of life * Effects/impact on society, historical significance While this information is necessary to your project, these dry facts, on their own, don't really make a very good biography. Once you've found these basics, you'll want to dig a little deeper. You choose a certain person because you think he or she is interesting, so you certainly don't want to burden your paper with an inventory of boring facts. Your goal is to impress your reader! You'll want to start off with great first sentence. It's a good idea to begin with a really interesting statement, a little known fact, or really intriguing event. You should avoid starting out with a standard but boring line like: "Meriwether Lewis was born in Virginia in 1774." Instead, try starting with......

Words: 660 - Pages: 3

Premium Essay

Biography

...Sheri Gualandi ECON111 Denise Stauthammer Biography November 9, 2014 Lower Gas Prices Possible Boost to the Economy The end of October 2014 brought with it lower gas prices for American consumers. It has been a very long time since gas prices have been below $3.00 per gallon at the pump and the benefits of the lower prices will help the American people from all walks of life ranging from people who live paycheck to paycheck, people on fixed incomes, and college students. The money saved from the lower gas prices will be an opportunity for people to spend more on things that may be considered little extras like dinner out, going to the movies, or taking in a concert. With the holiday months approaching, the extra money saved from not having to pay so much at the pump will allow for people to splurge and buy that special gift that they otherwise wouldn’t have been able to. While the lower gas prices are helping American consumers, the oil industry is taking a hit due to the lower crude prices. These lower crude prices are also helping industries such as farmers, trucking companies, railroads, and airlines. Prices at the grocery store as well as many other retailers will decline because they will also save money with lower fuel surcharges that tend to fluctuate with the cost for fuel. Lower crude prices will also help consumers save money on home heating costs this winter which will translate into more extra spending. More spending will help our economy rebound even more...

Words: 264 - Pages: 2

Premium Essay

Biography

...Biography (Story of Jacquelyn Salceiro) Jacquelyn Salceiro was born in August 19th, 1997 in Jacksonville Florida. She had lived in Jacksonville all of her life. Jacquelyn was raised in a traditional family where her father works in Internal Revenue Service and her mother works as a paraprofessional. Mr. Salceiro is Cuban and Mrs. Salceiro is Filipino; for this reason, Jacquelyn is exposed to two different cultures in a young age. Jackquelyn has one older sister who is twenty years old and currently attends the University of North Florida. She also has one younger brother who enrolls in Landmark Middle School as a sixth grader. Jacquelyn attended Sabalpalm Elementary School from kindergarten to fifth grade. Later, she enrolled in Darnell Cookman Middle School, which is a well-known medical school. During eighth grade summer, Jacquelyn and her family also went back to visit Philippine for a month. Comparing to the nice weather in Jacksonville, the climate in Philippine was extreme. Although Jacquelyn later did get accepted into Stanton College Preparatory School, but because of the issue with school transportation, she decided to go to Sandalwood High School instead. Being interested in playing tennis, Jacquelyn decided to join the school tennis team in her sophomore year. In addition, she also volunteered in Sabalpalm Elementary School as a remarkable way to give back to the community. Jacquelyn started her very first job in junior year; she worked as a part-time......

Words: 378 - Pages: 2

Free Essay

Biography

...attract attention. They justify this by saying that by reading her poem, one can tell of all the events of her life; an abusive father, scarring accident at a young age, birth of two daughter, death of friends, death of the parents, her stay in a mental institution and finally her search for release through drugs, lovers, religion. Works Cited George, Diana Hume. Sexton: Selected Criticism. Urbana,111: University of Illinois Press, 1988. Hall, Caroline King Barnard. Anne Sexton. Boston: Twayne Publishers, 1989. Hume, George Diana. Oedipus Anne: The Poetry of Anne Sexton. Urbana: University of Illinois Press, 1987. McClatchy, J.D. Anne Sexton: the Artist and Her Critics. Indiana Univ Pr, 1978-07. Wood, Middlebrook Diane. Anne Sexton: A Biography. Boston: Vintage, 1992....

Words: 1164 - Pages: 5

Premium Essay

Biography

...Michael Craig UNV103 - 0508 August 28, 2015 Kyle Hedden Michael Craig - Biography Hello Class! My name is Michael Craig. This is my first semester in college I am working towards obtaining a Bachelor’s degree in Accounting. I decided to go back to school because I was working for a company that went out of business and I found that I needed to get a degree in order to keep doing what I love doing most and that is working in an accounting office. Going back in school has been challenging for me because it has been a long time since I have gone to school. It was pretty intimidating for me to go through the enrollment process, because I kept questioning whether I could cut it this late in life. I am presently unemployed because the company I was working for went out of business. I previously worked for a full service restoration company (construction). I started out working as the administrative assistant for the CFO and from there I moved onto other positions. The position I loved doing the most was in the accounting office and that is the reason I decided to go back to school and get a degree in accounting. The things I enjoy doing with my spare time are spending quality time with family, going fishing with my sister and brother in law on their boat, racquet ball, and volley ball. I also enjoy going out to eat and maybe catching a good movie on the weekends. I have not done a lot of traveling in my life. My family has always tried to take me with them when they go......

Words: 410 - Pages: 2

Free Essay

Biography

...Teresa Durstine PSYC 250 – DOL 1 Professor Stone October 28, 2013 Beyond Biography A person’s character and personality will leave a great impression on others. Although some of these impressions are positive ones; however, others may be negative. A person’s childhood will often have a great influence on a person’s personality and character. An individual’s identity will be a reflection of their religious beliefs, ethnic background, gender, as well as their birth order. All of these will aid in the development of their own uniqueness. In a sense, we become a product of our childhood, or our up-bringing. The first theorist is Alfred Alder, he was the younger of two siblings and this made him become competitive. Whereas, his is older brother, Sigmund was very healthy, robust, and full of energy; Alfred suffered from poor health and required extra attention during his childhood. Alfred developed a combative side, and he would often challenge authority. He also strived for superiority over Sigmund. Because his older brother was domineering, competent, and intelligence, Alfred always felt inferior to him. This would cause Alfred to feel like he was the underdog, who was constantly competing against a very powerful foe. All this aided in Alfred developing a fierce rivalry against his brother Sigmund. When Alfred was just five years old, he almost died from pneumonia. Young Alfred went skating with an older boy who abandoned him on the freezing, ice cold......

Words: 1395 - Pages: 6

Free Essay

Biography of a Mathematician

...Catherine Jolley MTH/110 November 30, 2015 Patricia Ann Vail Biography of a Mathematician Born on April 15, 1452 near the Tuscan town of Anchiano came the illegitimate son named Leonardo Da Vinci. Ser Piero, Leonardo’s father, was a notary and Caterina, Leonardo’s mother, was a peasant girl and they never married. When he was five years old, young Leonardo was sent to live at his father’s family estate in the town of Vinci, from which he derives his last name. He was a painter, sculptor, architect, engineer, inventor, draftsman and mathematician. He truly epitomized the term, Renaissance Man. (Heydenreich, 2015). Leonardo did not see a divide between art and science and felt they were two disciplines that were intertwined with equal importance. The sketch of “Vitruvian Man” is a perfect example of that belief. (Editors, 2015). The term Renaissance is a French word that means “rebirth”. It was the transitional period in Europe between the “14th and 17th centuries when there was a new interest in science and in the ancient art and literature especially in Italy.” (Simple Definition of Renaissance, 2015). The Renaissance came about after one of the many rounds of Black Plague. It is the belief that the huge death toll in Europe brought about the middle class. In order to understand the effect this had on Leonardo Da Vinci is the need to understand what life was like in his time period. Prior to the Renaissance, people lived as peasants on the lands of......

Words: 1276 - Pages: 6

Free Essay

Biography

...Anthony Horowitz: Short Biography Early Life: Anthony Horowitz is a novelist, screenwriter and a children’s author, born into a wealthy Jewish family on the 5th of April 1955 in Paddington, London. Growing up wasn’t very easy for him, even coming from a wealthy family. At the age of 8, he was sent to Orley Farms boarding school, where he would always gather his friends and entertain them by telling them stories he had read. He had always loved reading and writing since then. At the age of 13, he attended Rugby Public School. He graduated from the University of New York with lower second class degree in English literature and art history in 1977. He often did not get along with his dad and he remembers him as a cruel man that only cared about his money. Facing bankruptcy, his dad moved all his assets into Swiss numbered accounts. He later died of cancer and the family wasn’t able to track down the money. As for his mother, Anthony had always adored her; she even gave him a human skull for his 13th birthday, he still has it. It sits by his desk and reminds him that life is short… he needs to get a move on with that next chapter! Life as an Author and Achievements: Anthony Horowitz started professional writing at the age of 22 and already has over 40 books by now. His most famous series are: Alex Rider (with 11 books), The Power of Five (with 5 books), and The Diamond Brother Series (with 8 books). He has won Booksellers Association Award (2008), Booktrust Teenage......

Words: 586 - Pages: 3

Premium Essay

Biography

...Biography of Vivian Patricia Nedd Vivian Nedd is a 92 year old woman who currently resides at 246 # 9 Village West Coast Berbice. Vivian Nedd was born to Clotilda and Nurbert Nedd on 15th November, 1920. She has one sister and one brother (Enid Vossey and Roydon Nedd). Vivian attended both Nursery and Primary Schools in Expectation Village West Coast Berbice and up to the third year in Secondary School because the school was a far distance from her home and her parents didn’t had enough finance to send her so went and work in the rice field and help look the cows that they had in order to assist her parents in insuring that her younger siblings have a complete education, since she was the eldest. Vivian got married at age 23 and gave birth to a beautiful bouncing baby girl two years after her marriage. After fifteen years in Vivian’s marriage her husband passed away. But that didn’t stop her from moving on with life, she worked with people and was a sweeper cleaner at # 8 primary schools as to be able to insure that her daughter Cindy Nedd can have a sound education. At age 92 Vivian says that she is satisfied and comfortable with her age. She also stated that she was greatful for the way her parents brought her up. Vivian says that she is currently the oldest woman and mother in her local church and would usually encourage and help to guide the young women to be good mothers and wives. Biography of Godfrey Andrew Johnson Godfrey Andrew Johnson is a 72 year......

Words: 463 - Pages: 2

Free Essay

Biography

...B oB Marley  Recent Titles in Greenwood Biographies Arnold Schwarzenegger: A Bography Louise Krasniewicz and Michael Blitz Blle Holday: A Bography Meg Greene Elvs Presley: A Bography Kathleen Tracy Shaqulle O’Neal: A Bography Murry R. Nelson Dr. Dre: A Bography John Borgmeyer Bonne and Clyde: A Bography Nate Hendley Martha Stewart: A Bography Joann F. Price Mchael Jordan: A Bography David L. Porter Alex Rodrquez: A Bography Wayne Stewart Steven Spelberg: A Bography Kathi Jackson Madonna: A Bography Mary Cross Jacke Robnson: A Bography Mary Kay Linge  B oB Marley a Biography David V. Moskowitz greenwood b iographies GreenwooD Press westPort, connecticut • lonDon  Library of Congress Cataloging-in-Publication Data Moskowtz, Davd V. (Davd Vlado), 1969 – Bob Marley : a bography / Davd V. Moskowtz. p. cm. — (Greenwood bographes, ISSN 1540-4900) Dscography: p. Includes bblographcal references and ndex. ISBN-13: 978–0–313–33879–3 (alk. paper) ISBN-10: 0–313–33879–5 (alk. paper) 1. Marley, Bob. 2. Reggae muscans —Jamaca—Bography. I. Ttle. ML420.M3313M66 2007 782.421646092—dc22 [B] 2007018313 Brtsh Lbrary Catalogung n Publcaton Data s avalable. Copyrght © 2007 by Davd V. Moskowtz All rghts reserved. No porton of ths book may be reproduced, by any process or technque, wthout the express wrtten consent of the publsher. Lbrary of Congress Catalog Card......

Words: 66723 - Pages: 267

Ratchet & Clank | Melodality | Jamie Chung